→ كل الأعداد
خلف اللافتة

تي بابا - المتحف الذي قرر أنه لا يملك قصصه

أسامة العمري · 25 يوليو 2026
الخلاصة

عام 1998، افتُتح متحف تي بابا تونغاريوا في نيوزيلندا — واسمه يعني "وعاء كنوز هذه الأرض" — على مبدأ لم تجرؤ عليه أغلب المتاحف الغربية: القطعة التراثية تنتمي للمجتمع الذي جاءت منه لا للمتحف، والمتحف وكيل لا مالك. بنى المتحف داخل مبناه قاعة حقيقية "مَراي" للاجتماع المقدس عند شعب الماوري، تُغلق حتى في وجه زوار قطعوا مسافات طويلة حين تقتضي الشعائر ذلك. وحين رفض حراس المعنى الماوريون (الكايتياكي) المعرض الأول عن تاريخهم بقولهم "هذه ليست قصتنا كما نرويها"، أُعيد بناء القسم بالكامل بلغتهم وترتيبهم. اليوم، كل قرار مؤسسي كبير يتطلب موافقة مشتركة من قيادة الماوري وقيادة المؤسسة — ليس رمزيًا، بل بنيويًا وملزمًا. — أسامة العمري، مستشار استراتيجيات المتاحف

في عام 2010، أثار متحف في نيوزيلندا جدلاً دولياً.

لم يكن بسبب سرقة. ولا فضيحة مالية. ولا قطعة مزوّرة.

أثار الجدل لأنه أخبر زائرين بأنهم لا يستطيعون دخول قسم معين.

السبب لم يكن إغلاقاً للصيانة. لم يكن حادثة أمنية. السبب كان أن هذا القسم يحتوي على قطع مقدسة — وللقدسية شروطها.

حينما أخبرنى صديقي كريس هذه القصة صدمت، كان كريس أحد اعضاء الفريق الذى شارك في تصميم المعرض .. فأخذت أبحث في الأمر

ليس لأن القرار أثار جدلاً ، بل لأنه كشف عن فلسفة متحفية لم أرَها مُطبَّقة بهذه الجرأة في أي مكان آخر.

متحف لا يؤمن بأنه يملك ما يعرضه
Te Papa Tongarewa ؛ ومعناها بلغة الماوري "وعاء الكنوز في هذه الأرض" — افتُتح عام 1998 في ويلنغتون عاصمة نيوزيلندا.

من اليوم الأول، حمل فكرة لم يجرؤ عليها أي متحف غربي قبله:

القطعة التراثية لا تنتمي للمتحف. تنتمي للمجتمع الذي جاءت منه. والمتحف وكيل، لا مالك.

هذه الجملة تبدو بسيطة. لكن تطبيقها قلب كل شيء.

انشئوا قاعة عبادة داخل المتحف .. ليس في الخارج ، ليس على ماكيت ..

قاعة حقيقة

تسمى مَرَاي عند شعب الماوري - فضاء للاجتماع المقدس . ليس نموذجاً مصغراً. ليس قطعة معروضة

Article content
قاعة المراي عند شعب الماوري . الفضاء المقدس للاجتماعات
خلف زجاج.

فضاء حقيقي للاجتماع بكل تفاصيله .

يُعقد فيه احتفالات ثقافية حقيقية. يُستقبل فيه ضيوف رسميون بالبروتوكول التقليدي الكامل.

وحين تقتضي الشعائر إغلاقه، يُغلق — حتى في وجه الزوار الذين تكبدوا مشقة السفر لزيارته.

المتحف لم يقل: "نحن نعرض ثقافتكم." قال: "ثقافتكم تعيش هنا معنا"

الفرق بين الجملتين هو الفرق بين متحف يحفظ الماضي ومتحف يكون جزءاً من الحاضر.

الجدل الذي هزّ العالم
في عام 2010، أرسل المتحف إشعاراً لموظفيه قبل جولة ضمن مقتنيات الماوري المقدسة

. الإشعار أفاد بأن الحوامل والنساء اللواتي مررن بإجهاض حديث يُنصح بعدم حضور بعض أقسام الجولة، احتراماً لمفهوم التابو ، القداسة الروحية للقطع.

اشتعلت النقاشات

اتهمه البعض بالتمييز. دافع عنه آخرون باعتباره احتراماً للمعتقد. لكن المتحف لم يتراجع

موقفه كان واضحاً: نحن لا نقرر قواعد القطع التي نحتضنها. أصحابها يقررون.

Waharoa لوحة خشبية تمثل الالهة عند شعب الماروي
وهذا بالضبط ما جعله مرجعاً لا يُتجاهل في النقاشات المهنية المتعلقة بالسيادة الثقافية.

المعرض الذي بُني ثم هُدم
حين بدأ المتحف التخطيط لمعارضه الأولى، أنجز فريق التخطيط قسماً متكاملاً عن تاريخ الماوري. نصوص موثقة، قطع مختارة بعناية، تصميم احترافي.

عُرض المحتوى على الممثلين الثقافيين الماوريين — الكايتياكي، وهم الحراس الثقافيون الذين يشاركون في كل قرار يخص تراثهم.

ردّهم كان مباشراً: "هذه ليست قصتنا كما نرويها."

لم يكن في المحتوى خطأ واقعي. المعلومات صحيحة، التسلسل التاريخي سليم. لكن الزاوية كانت زاوية الباحث الخارجي الذي يصف، لا صوت المجتمع الذي يتذكر.

أُعيد بناء القسم من الصفر. بمشاركة المجتمع، بلغته، بترتيبه هو للقصة.

وهنا يكمن الدرس الذي يُزعج كثيراً من المخططين: الدقة الأكاديمية ليست كافية إذا كانت الزاوية خاطئة.

البنية التي لا تعرفها المدارس
يمتلك المتحف هيكلا قيادياً لا يتوفر في متاحف أخرى هيكلا ثنائيا

كل قرار مؤسسي كبير يحتاج موافقة قيادة الماوري وقيادة المجتمعات الأخرى معاً.

هذا ليس رمزياً. هو أساسي ومُلزِم.

نتيجة هذا الهيكل: المتحف يجمع سنوياً ما يزيد على مليون ونصف زائر، ودخوله مجاني بالكامل

قرار سياسي واضح يقول: هذا المكان لكل من يعيش على هذه الأرض، لا لمن يستطيع دفع ثمن التذكرة.

ما يعنيه هذا لنا نحن
في المنطقة العربية، نبني الآن عشرات المتاحف والمواقع التراثية بتمويل كبير وطموح أكبر.

لكن هناك سؤال لا يُطرح بما يكفي على طاولات التخطيط:

من يروي القصة؟
هل يرويها المخطط القادم بمنهجية غربية مُعدَّلة؟ هل يرويها الباحث الأكاديمي بلغة المرجع؟ أم يرويها المجتمع الذي عاشها وما زال يعيشها؟

الإجابة تحدد ما إذا كان المتحف مكاناً يُزار أم مكاناً يُملك.
الإطار المهني: من متحف يعرض إلى متحف يشارك فيه الاخرين

1- الكايتياكي : حُرّاس المعنى في كل مشروع تراثي، حدّد من هم "حراس المعنى" الحقيقيون للمجتمع الذي تتحدث عنه. ليسوا دائماً الأكاديميين. في أحيان كثيرة هم الحكواتيون، كبار السن، حاملو الذاكرة الشفهية. أشركهم قبل التصميم، لا بعده.

2- الفرق بين الزاوية الصحيحة والمعلومة الصحيحة المعلومة الدقيقة من الزاوية الخاطئة تُشوّه أكثر مما تُوضّح. اسأل دائماً: من منظور من نحكي هذه القصة؟ ومن المنظور الذي لم نسمعه بعد؟

3- الثقافة الحية لا تُعرض ، تُستضاف إذا كانت الثقافة التي تتناولها لا تزال حية، فأنت لا تملك ترف معاملتها كتاريخ. المجتمعات الحية تتطور وتعيد تعريف نفسها. المتحف الذكي يبني مرونة التحديث في هيكله من اليوم الأول.

4- الحوكمة التشاركية ليست ترفاً شارك ممثلي المجتمع في القرارات المؤسسية الحقيقية لا في الاستشارات الشكلية. الفرق بين الاثنتين يظهر حين يأتي يوم الخلاف الحقيقي.

في كل مشروع أعمل عليه، هناك سؤال أطرحه على الفريق في الجلسة الأولى قبل أي حديث عن تصميم أو محتوى:

"لو جلس أبناء هذا المجتمع أمام معرضنا عام 2050 ، هل سيقولون: هذه قصتنا؟ أم سيقولون: هذه القصة التي رواها غيرنا عنا؟"

الإجابة على هذا السؤال تحدد كل شيء بعده.

المتحف الحقيقي لا يمتلك القصص. بل يحملها أمانة للأجيال .
هل تعتقد أن المتاحف العربية الجديدة تُشرك المجتمعات التي تحكي عنها في بناء روايتها ،أم لا؟

النشرة القادمة: مختلفة: لن أتحدث عن متحف مشهور. سأتحدث عن متحف لم يسمع به أحد تقريباً في مدينة صغيرة في أيرلندا، بميزانية لا تُذكر، حقق ما فشل فيه متاحف بمئات الملايين.

القصة كلها في قرار واحد اتخذه المدير في يومه الأول.

شكرا لكريس على هذه القصة وتقدير لعملك المميز في المساهمة في اخراج المتحف بهذه الصورة

أسئلة حول هذا العدد

ماذا يعني اسم "تي بابا تونغاريوا"؟
بلغة الماوري يعني "وعاء كنوز هذه الأرض"، وهو متحف افتُتح عام 1998 في ويلنغتون عاصمة نيوزيلندا.
ما الفكرة المؤسِّسة التي تميز تي بابا عن معظم المتاحف الغربية؟
أن القطعة التراثية لا تنتمي للمتحف بل للمجتمع الذي جاءت منه، وأن المتحف مجرد وكيل يحفظها لا مالك يملكها — وهي فكرة طُبّقت عمليًا وليس فقط شعاريًا.
ما هو "المراي" الذي بناه المتحف، ولماذا يُغلق أحيانًا في وجه الزوار؟
فضاء اجتماع مقدس حقيقي عند شعب الماوري، بُني كاملًا داخل المتحف لا كنموذج مصغر، تُقام فيه احتفالات ثقافية حقيقية، ويُغلق حين تقتضي الشعائر ذلك حتى لو كان الزوار قد سافروا مسافات طويلة لرؤيته.
ماذا حدث حين عُرض أول معرض عن تاريخ الماوري على حراس المعنى الثقافيين؟
رفضوه رغم دقته الواقعية، بحجة أن الزاوية كانت زاوية باحث خارجي يصف لا صوت مجتمع يتذكر — فأُعيد بناء القسم بالكامل بمشاركتهم وبلغتهم وترتيبهم الخاص للقصة.
كيف تعمل الحوكمة الثنائية في تي بابا؟
كل قرار مؤسسي كبير يتطلب موافقة مشتركة من قيادة الماوري وقيادة المؤسسة معًا — بنية ملزمة وليست استشارة شكلية، وهذا ما يجعل المتحف مرجعًا في نقاشات السيادة الثقافية.
كيف يربط أسامة العمري هذه التجربة بالمتاحف العربية الجديدة؟
يطرح سؤالًا مباشرًا على طاولات التخطيط العربية: من يروي القصة فعليًا — المستشار الخارجي أم المجتمع الذي عاشها؟ ويرى أن الإجابة تحدد إن كان المتحف مكانًا يُزار أم مكانًا يُملك ويُنتمى إليه.