عام 1962، دخل مايكل سبوك، البالغ من العمر 32 عامًا، متحف أطفال بوسطن، ووقف يراقب طفلاً يضغط وجهه على واجهة زجاجية محاولًا لمس حجر لا يستطيع الوصول إليه. كان قرار سبوك جذريًا: أزال كل زجاج في المبنى، ونزع اللافتات التفسيرية الطويلة، وأعاد بناء القاعات حول بكرة حقيقية وقارب حقيقي — أشياء تُلمس ويُفشل فيها ويُعاد المحاولة، لا رسوم تشرحها. تضاعف عدد الزوار في العام الأول، وخلال عقود أعاد النموذج تشكيل متاحف الأطفال حول العالم. السؤال ذاته — الزخرفة أم الاكتشاف — هو ما يفصل بين متحف يُزار ومتحف يُتذكر. — أسامة العمري، مستشار استراتيجيات المتاحف
في ١٩٦٢، دخل مايكل سبوك مبنى متحف أطفال بوسطن لأول مرة بصفته مديراً جديداً.
لم يكن يعرف أنه سيغير كل شيء.
الحقيقة؟
ربما ما كان يعرف ماذا يفعل أصلاً.
كان عمره ٣٢ سنة.
لم يكن عالماً ولا أكاديمياً ولا خبير تراث. كان مخططاً للمعارض فقط
إذا انتبهت للاسم؛ فنعم هو ابن الدكتور بنيامين سبوك، الرجل الذي غيّر تربية جيل أمريكي كامل بكتاب واحد. لكن هذا لا علاقة له بالموضوع الآن ، إلا إنه نستطيع أن نقول إنه ورث شغف التغيير بشكل أو اخر ..
ما يهم أنه دخل المبنى.
ونظر.
القاعة الأولى: حيوانات محنّطة خلف زجاج.
القاعة الثانية: حشرات مثبّتة بدبابيس في صناديق معلّقة.
القاعة الثالثة: أحجار وعينات جيولوجية خلف زجاج آخر.
في كل مكان: زجاج!
وفي كل مكان: أطفال يضغطون وجوههم على هذا الزجاج.
توقّف عند طفل واحد.
كان الولد يضغط أنفه على الواجهة ويده ممدودة على سطح الشوكيس المفتوح ، يحاول أن يلمس حجراً داخل الصندوق.
لا يستطيع.
وقف سبوك ينظر إليه ربما دقيقة كاملة.
ثم سأل نفسه سؤالاً بسيطاً جداً ؛ بسيطاً لدرجة أن أحداً لم يسأله من قبل:
لماذا نجلب الأطفال إلى مكان لا يُسمح لهم بلمس شيء فيه؟
لم يجد إجابة.
في اليوم التالي، طلب من العمّال إزالة الزجاج.
لا، ليس زجاج واجهة واحدة. كل الزجاج.
الموظفون احتجّوا: المقتنيات ستتلف.
المانحون قلقوا: هذا غير مهني.
المستشارون العلميون انسحبوا واحداً بعد الآخر.
لكن ذلك لم يثنى مايكل عن قراره ..
لكنه لم يكتفِ بإزالة الزجاج.
أزال اللافتات الطويلة أيضاً ثم أعاد تصميم القاعات من الصفر.
غير اسم قاعة الطبيعة إلى قاعة الحفر
واستبدال قاعة الفيزياء بقاعة ماذا يحدث لو؟
وضع في المنتصف بكرة حقيقية وحبالاً لا شرحاً عن البكرات.
بنى قارباً صغيراً يصعد إليه الأطفال لا لوحة عن تاريخ الملاحة.
كل إجابة جاهزة: أزالها.
كل سؤال مفتوح: تركه.
في العام الأول: تضاعف عدد الزوار.
في اقل من عشرة سنوات : أصبح متحف أطفال بوسطن نموذجاً يُدرَّس في كليات التصميم حول العالم.
في خمسة عقود: غيّر الطريقة التي يُبنى بها كل متحف أطفال على وجه الأرض.
كان يقول في الاجتماعات جملة يكررها:
"الأطفال لا يحتاجون أن تشرح لهم الجاذبية. يحتاجون أن يسقطوا."
أتذكر هذه الجملة في أكثر من موقف.
مرة وأنا أتأمل تيلاس سبارك للعلوم هنا في كالغاري مبنى صُمِّم منذ البداية على فكرة أن التعلم يحدث عبر التجربة لا التلقين. ما من لافتة تقول لك "هذا ما يجب أن تفهمه." تقف أمام تجربة، تلمسها، تفشل، تعيد.
ومرة أخرى وهذه الأقرب إليّ وأنا أعمل على مشروع واحة الملك سلمان للعلوم في شارع التحلية بالرياض.
النموذج الأول كان مبنياً على محاور علمية بحته : العلوم والذكاء الاصطناعي والجينوم البشري. موضوعات ضخمة وطموحة. لكن طريقة التقديم كانت تعتمد على المشاهدة والتفاعل المحدود الزائر يرى، يقرأ، ربما يضغط زراً. والمحتوى يُقدِّم نفسه.
لم يكن هناك زجاج حرفي. لكن كان هناك مسافة.
وبمرور الوقت، تطور النموذج نحو رؤية أوسع وأكثر شمولاً رؤية تضع الزائر في مركز التجربة لا في مقعد المشاهد. وهذا التحول لم يكن تقنياً فقط. كان فلسفياً.
حين تسأل "كيف نجعل المحتوى أجمل؟" تصل لمكان.
حين تسأل "كيف نجعل الزائر يشعر أنه يكتشف بنفسه؟" تصل لمكان مختلف تماماً.
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين متحف يُزار ومتحف يُتذكر.
سبوك عرف هذا في ١٩٦٢.
وما زلنا نكتشفه في ٢٠٢٤.
متى كانت آخر مرة فعلت شيئاً في متحف بدلاً من أن تقرأ عنه؟
إن أردت النسخة الإنجليزية أو تحميل الإطار المهني التطبيقي الرابط في الموقع.
النشرة القادمة: متحف صمّم كل شيء فيه ليجعلك تبكي وحين تبكي، أنت تتذكر.