→ كل الأعداد
خلف اللافتة

الرجل الذى كسر الزجاج

أسامة العمري · 15 سبتمبر 2026
الخلاصة

عام 1962، دخل مايكل سبوك، البالغ من العمر 32 عامًا، متحف أطفال بوسطن، ووقف يراقب طفلاً يضغط وجهه على واجهة زجاجية محاولًا لمس حجر لا يستطيع الوصول إليه. كان قرار سبوك جذريًا: أزال كل زجاج في المبنى، ونزع اللافتات التفسيرية الطويلة، وأعاد بناء القاعات حول بكرة حقيقية وقارب حقيقي — أشياء تُلمس ويُفشل فيها ويُعاد المحاولة، لا رسوم تشرحها. تضاعف عدد الزوار في العام الأول، وخلال عقود أعاد النموذج تشكيل متاحف الأطفال حول العالم. السؤال ذاته — الزخرفة أم الاكتشاف — هو ما يفصل بين متحف يُزار ومتحف يُتذكر. — أسامة العمري، مستشار استراتيجيات المتاحف

في ١٩٦٢، دخل مايكل سبوك مبنى متحف أطفال بوسطن لأول مرة بصفته مديراً جديداً.
لم يكن يعرف أنه سيغير كل شيء.
الحقيقة؟
ربما ما كان يعرف ماذا يفعل أصلاً.

كان عمره ٣٢ سنة.
لم يكن عالماً ولا أكاديمياً ولا خبير تراث. كان مخططاً للمعارض فقط
إذا انتبهت للاسم؛ فنعم هو ابن الدكتور بنيامين سبوك، الرجل الذي غيّر تربية جيل أمريكي كامل بكتاب واحد. لكن هذا لا علاقة له بالموضوع الآن ، إلا إنه نستطيع أن نقول إنه ورث شغف التغيير بشكل أو اخر ..
ما يهم أنه دخل المبنى.
ونظر.

القاعة الأولى: حيوانات محنّطة خلف زجاج.
القاعة الثانية: حشرات مثبّتة بدبابيس في صناديق معلّقة.
القاعة الثالثة: أحجار وعينات جيولوجية خلف زجاج آخر.
في كل مكان: زجاج!
وفي كل مكان: أطفال يضغطون وجوههم على هذا الزجاج.

توقّف عند طفل واحد.
كان الولد يضغط أنفه على الواجهة ويده ممدودة على سطح الشوكيس المفتوح ، يحاول أن يلمس حجراً داخل الصندوق.
لا يستطيع.
وقف سبوك ينظر إليه ربما دقيقة كاملة.
ثم سأل نفسه سؤالاً بسيطاً جداً ؛ بسيطاً لدرجة أن أحداً لم يسأله من قبل:
لماذا نجلب الأطفال إلى مكان لا يُسمح لهم بلمس شيء فيه؟
لم يجد إجابة.

في اليوم التالي، طلب من العمّال إزالة الزجاج.
لا، ليس زجاج واجهة واحدة. كل الزجاج.
الموظفون احتجّوا: المقتنيات ستتلف.
المانحون قلقوا: هذا غير مهني.
المستشارون العلميون انسحبوا واحداً بعد الآخر.
لكن ذلك لم يثنى مايكل عن قراره ..

لكنه لم يكتفِ بإزالة الزجاج.
أزال اللافتات الطويلة أيضاً ثم أعاد تصميم القاعات من الصفر.
غير اسم قاعة الطبيعة إلى قاعة الحفر
واستبدال قاعة الفيزياء بقاعة ماذا يحدث لو؟
وضع في المنتصف بكرة حقيقية وحبالاً لا شرحاً عن البكرات.
بنى قارباً صغيراً يصعد إليه الأطفال لا لوحة عن تاريخ الملاحة.
كل إجابة جاهزة: أزالها.
كل سؤال مفتوح: تركه.

في العام الأول: تضاعف عدد الزوار.
في اقل من عشرة سنوات : أصبح متحف أطفال بوسطن نموذجاً يُدرَّس في كليات التصميم حول العالم.
في خمسة عقود: غيّر الطريقة التي يُبنى بها كل متحف أطفال على وجه الأرض.

كان يقول في الاجتماعات جملة يكررها:
"الأطفال لا يحتاجون أن تشرح لهم الجاذبية. يحتاجون أن يسقطوا."

أتذكر هذه الجملة في أكثر من موقف.
مرة وأنا أتأمل تيلاس سبارك للعلوم هنا في كالغاري مبنى صُمِّم منذ البداية على فكرة أن التعلم يحدث عبر التجربة لا التلقين. ما من لافتة تقول لك "هذا ما يجب أن تفهمه." تقف أمام تجربة، تلمسها، تفشل، تعيد.
ومرة أخرى وهذه الأقرب إليّ وأنا أعمل على مشروع واحة الملك سلمان للعلوم في شارع التحلية بالرياض.
النموذج الأول كان مبنياً على محاور علمية بحته : العلوم والذكاء الاصطناعي والجينوم البشري. موضوعات ضخمة وطموحة. لكن طريقة التقديم كانت تعتمد على المشاهدة والتفاعل المحدود الزائر يرى، يقرأ، ربما يضغط زراً. والمحتوى يُقدِّم نفسه.
لم يكن هناك زجاج حرفي. لكن كان هناك مسافة.
وبمرور الوقت، تطور النموذج نحو رؤية أوسع وأكثر شمولاً رؤية تضع الزائر في مركز التجربة لا في مقعد المشاهد. وهذا التحول لم يكن تقنياً فقط. كان فلسفياً.
حين تسأل "كيف نجعل المحتوى أجمل؟" تصل لمكان.
حين تسأل "كيف نجعل الزائر يشعر أنه يكتشف بنفسه؟" تصل لمكان مختلف تماماً.

الفرق بين السؤالين هو الفرق بين متحف يُزار ومتحف يُتذكر.
سبوك عرف هذا في ١٩٦٢.
وما زلنا نكتشفه في ٢٠٢٤.

متى كانت آخر مرة فعلت شيئاً في متحف بدلاً من أن تقرأ عنه؟
إن أردت النسخة الإنجليزية أو تحميل الإطار المهني التطبيقي الرابط في الموقع.

النشرة القادمة: متحف صمّم كل شيء فيه ليجعلك تبكي وحين تبكي، أنت تتذكر.

أسئلة حول هذا العدد

من هو مايكل سبوك ولماذا يُعد قراره محوريًا في تاريخ متاحف الأطفال؟
مدير عُيّن لمتحف أطفال بوسطن عام 1962 وهو في الثانية والثلاثين، ليس عالمًا ولا خبير تراث بل مخطط معارض، اتخذ قرارًا غيّر متاحف الأطفال عالميًا: إزالة كل الزجاج الفاصل بين الطفل والمعروضات.
لماذا أزال سبوك كل واجهات الزجاج في المتحف؟
بعد أن راقب طفلاً يحاول لمس حجر خلف زجاج ولا يستطيع، سأل نفسه: لماذا نجلب الأطفال لمكان لا يُسمح لهم بلمس شيء فيه؟ ولم يجد إجابة، فأزال الزجاج بالكامل رغم اعتراض الموظفين والمانحين.
كيف أعاد سبوك تصميم قاعات المتحف بعد إزالة الزجاج؟
استبدل اللافتات التفسيرية بتجارب فعلية: بكرة حقيقية بحبال بدل رسم توضيحي، وقارب حقيقي يصعد إليه الأطفال بدل لوحة عن تاريخ الملاحة — كل إجابة جاهزة أُزيلت، وكل سؤال مفتوح تُرك مفتوحًا.
ما نتيجة هذا التغيير على أعداد الزوار؟
تضاعف عدد الزوار في العام الأول، وخلال أقل من عقد أصبح متحف أطفال بوسطن نموذجًا يُدرَّس في كليات التصميم، وخلال خمسة عقود غيّر طريقة بناء كل متحف أطفال في العالم.
كيف يربط أسامة العمري هذه القصة بمشاريعه الفعلية؟
من خلال مشروعين عمل عليهما مباشرة: مركز تيلاس سبارك للعلوم في كالجاري، ومشروع واحة الملك سلمان للعلوم في الرياض، حيث تحوّل النموذج من "الزائر يشاهد" إلى "الزائر يكتشف بنفسه" — وهو صلب خبرته في تفسير التراث وتصميم تجربة الزائر.
ما الفرق بين "متحف يُزار" و"متحف يُتذكر" بحسب هذا التحليل؟
الفرق هو السؤال الذي تطرحه المؤسسة على نفسها: "كيف نجعل المحتوى أجمل؟" يقود لمكان، بينما "كيف نجعل الزائر يشعر أنه اكتشف بنفسه؟" يقود لمكان مختلف تمامًا — وهذا الفارق هو جوهر التفسير المكاني الناجح.