حين يقرر المتحف أن تكون البطولة للزوار
في عام ٢٠٠٩، طرح متحف كليفلاند للفنون سؤالاً خطيراً.
هل يقرأ أحد ما نكتبه؟
أجرى المتحف دراسة ميدانية كاملة في قاعاته المُعاد تصميمها. ليس استبياناً لقياس الرضا. بل مراقبة مباشرة للسلوك.
الإجابة كانت مزعجة.
الزوار كانوا يتصفحون. يمرون أمام النصوص التمهيدية عند مداخل القاعات، تلك الفقرات التي أمضى فيها الأمناء والمتخصصون ساعات طويلة. لا يتوقفون إلا أمام الأعمال التي تشدّهم، ولا يقرؤون اللافتة إلا حين يجعلهم العمل نفسه يريدون المزيد.
المتحف لم يستجب بكتابة المزيد. استجاب بإعادة تصميم التفسير حول المتصفح: لا مسار مفضّل، لا سرد مُحمَّل في المقدمة، تفسير يُقدَّم في لحظة الفضول لا قبلها. حين افتتح Gallery One عام ٢٠١٢، بُني ليحترم سلوك التصفح، كما وثّقته الدراسة الميدانية للمتحف نفسه.
عملت على معرض يوثق مسيرة ملك.
كل صورة كانت تحمل ذاكرة جماعية. كل لقطة تحكي قصة حية في أذهان من جاؤوا لرؤيتها. في النسخة الأولى، كتبنا تحت كل صورة: المناسبة، السياق، اللحظة.
ثم توقفنا.
بالتنسيق مع الجهة المسؤولة، استبدلنا التعليقات الفردية بعناوين كبرى: الجانب الإنساني، السياسي، الاجتماعي. وتركنا الصور دون شرح.
ما تلا ذلك لم نكن نخطط له.
زوار عاشوا تلك المرحلة توقفوا أمام الصور وبدأوا يتكلمون، مع من بجانبهم، يشيرون، يتذكرون. شباب لم يعاصروا تلك الحقبة وقفوا يصغون. المعرض حوّل بعض زواره إلى مرشدين.
لم يكن ذلك من تصميمنا.
كان من تراجعنا.
هناك افتراض متجذر في العمل التفسيري: أن الزائر يحتاجنا لنخبره بما يرى.
لكن الزائر يأتي وهو يحمل تاريخه وأسئلته وصمته. حين نملأ كل مساحة بكلامنا، لا نُثري تجربته. نحل محلها.
اللافتة التي تشرح كل شيء تمنح الزائر إجابة عن سؤال لم يطرحه بعد.
واللافتة التي تُطرح قبل أن يتشكل السؤال لا تُعلّم. تُسكت.
درس كليفلاند لم يكن أن النص عدو.
كان أن النص الذي يسبق الفضول ضجيج.
المتحف أبقى لافتاته، وأعاد بناء كل شيء حول اللحظة التي ينحني فيها الزائر للأمام.
في المرة القادمة التي تراجع فيها نصاً تفسيرياً كتبته، اطرح سؤالاً واحداً: هل هذا يُجيب عن سؤال طرحه الزائر فعلاً؟
إذا كانت الإجابة لا، احذفه.
ليس كسلاً. بل احتراماً لكيفية تصرف الزوار في الواقع.