هذه الثواني، حين تمسك ورقة الدومباس، وحين تقف بين الحبال، وحين تمرّ من باب أضيق لأن بطاقتك تقول "Non-White"، تساوي أكثر من ألف لافتة.
أبيض / غير أبيض
حين تصل إلى باب المتحف، يعطونك بطاقة.
لا تختارها.
يعطونك إياها عشوائياً.
وعليها كلمة واحدة:
إما "White"
أو "Non-White"
ثم يشيرون إلى باب مختلف.
هذا لم يحدث في جنوب أفريقيا عام ١٩٦٠.
حدث في عام ٢٠٠١.
في متحف.
متحف الفصل العنصري في جوهانسبرغ افتُتح بعد سبع سنوات فقط من نهاية الفصل العنصري رسمياً، في الحديقة ذاتها التي كانت تضم ملاهي ترفيهية للبيض فقط.
الموقع لم يكن صدفة.
ولا كانت البطاقة.
من يأخذ بطاقة "Non-White" يسلك ممراً أضيق.
أبواب أصغر.
لافتات تذكّرك في كل خطوة بما أنت عليه.
والشخص بجانبك، الذي دخل معك من نفس السيارة ويعرف نفس الأشخاص، يسير في ممر آخر، يرى أشياء أخرى، ويشعر بشيء مختلف تماماً.
ثم، بعد الجزء الأول من الجولة، تُرفع الحواجز.
وتسيران معاً من جديد.
لكن شيئاً ما تغيّر.
داخل المتحف غرفة فيها حبال معلقة من السقف. كل حبل يمثل شخصاً أُعدم خلال سنوات الفصل العنصري.
لا صور.
لا أسماء على الجدار.
فقط الحبال.
وأنت تمشي بينها.
في مكان آخر: جوازات السفر.
ليست جوازات عادية. هذه هي "الدومباس"، الوثيقة التي كان كل مواطن أسود ملزماً بحملها، وتحدد أين يحق له أن يكون، ومتى، ولماذا.
البوليس يطلبها في أي وقت.
من لا يحملها يُعتقل.
وضعوا بعضها خلف زجاج. وبجانبها نموذج يمكنك لمسه وتقليبه والإمساك به. حين تحمله بيدك وتشعر بخفة ورقة تحكم حياة إنسان، تفهم شيئاً لا تستطيع أي لافتة أن تنقله.
من أجمل المشاريع التي شاركت فيها معرض عن أسماء الله الحسنى. لم يكن يريد أن يعظ أحداً، بل أن يترك الزائر يتأمل ويفكر بنفسه.
في النسخة الأولى عرضنا الأسماء كما هي. ثم اقترح الفريق في النسخ التالية أن نجسّد بعضها.
عند اسم «الواسع» يقف الزائر أمام مجسم للمجموعة الشمسية، فيرى الأرض فيه لا تكاد تُرى. وعند اسم «العظيم» يقف أمام قطاع من شجرة سيكويا قطره ثمانية أمتار، وبجانبه صورة لإنسان صغير عند أسفل شجرة يبلغ طولها ٩٥ متراً.
لم نضف شرحاً يخبر الزائر بما يجب أن يشعر به.
تذكرت ذلك حين قرأت عن بطاقة متحف جوهانسبرغ.
هذه الثواني، حين تمسك ورقة الدومباس، وحين تقف بين الحبال، وحين تمرّ من باب أضيق لأن بطاقتك تقول "Non-White"، تساوي أكثر من ألف لافتة.
لو كان بإمكانك أن تضع زائر متحفك في مكان شخصية من القصة التي ترويها، لمدة دقيقة واحدة فقط، ماذا ستختار؟
النسخة الإنجليزية والإطار المهني القابل للتحميل: الرابط في الموقع.
النشرة القادمة: المتحف الذي قرر أن يحكي قصة أمة كاملة، دون أن يمتلك قطعة واحدة من تراثها.
أسامة العمري | مستشار استراتيجيات المتاحف والتراث | الرياض، كالغاري