→ كل الأعداد
خلف اللافتة

أبيض / غير أبيض

أسامة العمري · 7 أكتوبر 2026
الخلاصة

هذه الثواني، حين تمسك ورقة الدومباس، وحين تقف بين الحبال، وحين تمرّ من باب أضيق لأن بطاقتك تقول "Non-White"، تساوي أكثر من ألف لافتة.

أبيض / غير أبيض

حين تصل إلى باب المتحف، يعطونك بطاقة.

لا تختارها.

يعطونك إياها عشوائياً.

وعليها كلمة واحدة:

إما "White"

أو "Non-White"

ثم يشيرون إلى باب مختلف.

هذا لم يحدث في جنوب أفريقيا عام ١٩٦٠.

حدث في عام ٢٠٠١.

في متحف.

متحف الفصل العنصري في جوهانسبرغ افتُتح بعد سبع سنوات فقط من نهاية الفصل العنصري رسمياً، في الحديقة ذاتها التي كانت تضم ملاهي ترفيهية للبيض فقط.

الموقع لم يكن صدفة.

ولا كانت البطاقة.

من يأخذ بطاقة "Non-White" يسلك ممراً أضيق.

أبواب أصغر.

لافتات تذكّرك في كل خطوة بما أنت عليه.

والشخص بجانبك، الذي دخل معك من نفس السيارة ويعرف نفس الأشخاص، يسير في ممر آخر، يرى أشياء أخرى، ويشعر بشيء مختلف تماماً.

ثم، بعد الجزء الأول من الجولة، تُرفع الحواجز.

وتسيران معاً من جديد.

لكن شيئاً ما تغيّر.

داخل المتحف غرفة فيها حبال معلقة من السقف. كل حبل يمثل شخصاً أُعدم خلال سنوات الفصل العنصري.

لا صور.

لا أسماء على الجدار.

فقط الحبال.

وأنت تمشي بينها.

في مكان آخر: جوازات السفر.

ليست جوازات عادية. هذه هي "الدومباس"، الوثيقة التي كان كل مواطن أسود ملزماً بحملها، وتحدد أين يحق له أن يكون، ومتى، ولماذا.

البوليس يطلبها في أي وقت.

من لا يحملها يُعتقل.

وضعوا بعضها خلف زجاج. وبجانبها نموذج يمكنك لمسه وتقليبه والإمساك به. حين تحمله بيدك وتشعر بخفة ورقة تحكم حياة إنسان، تفهم شيئاً لا تستطيع أي لافتة أن تنقله.

من أجمل المشاريع التي شاركت فيها معرض عن أسماء الله الحسنى. لم يكن يريد أن يعظ أحداً، بل أن يترك الزائر يتأمل ويفكر بنفسه.

في النسخة الأولى عرضنا الأسماء كما هي. ثم اقترح الفريق في النسخ التالية أن نجسّد بعضها.

عند اسم «الواسع» يقف الزائر أمام مجسم للمجموعة الشمسية، فيرى الأرض فيه لا تكاد تُرى. وعند اسم «العظيم» يقف أمام قطاع من شجرة سيكويا قطره ثمانية أمتار، وبجانبه صورة لإنسان صغير عند أسفل شجرة يبلغ طولها ٩٥ متراً.

لم نضف شرحاً يخبر الزائر بما يجب أن يشعر به.

تذكرت ذلك حين قرأت عن بطاقة متحف جوهانسبرغ.

هذه الثواني، حين تمسك ورقة الدومباس، وحين تقف بين الحبال، وحين تمرّ من باب أضيق لأن بطاقتك تقول "Non-White"، تساوي أكثر من ألف لافتة.

لو كان بإمكانك أن تضع زائر متحفك في مكان شخصية من القصة التي ترويها، لمدة دقيقة واحدة فقط، ماذا ستختار؟

النسخة الإنجليزية والإطار المهني القابل للتحميل: الرابط في الموقع.

النشرة القادمة: المتحف الذي قرر أن يحكي قصة أمة كاملة، دون أن يمتلك قطعة واحدة من تراثها.

أسامة العمري | مستشار استراتيجيات المتاحف والتراث | الرياض، كالغاري

أسئلة حول هذا العدد

أين يقع متحف الفصل العنصري ومتى افتُتح؟
يقع المتحف في جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا. افتُتح عام ٢٠٠١، أي بعد سبع سنوات فقط من انتهاء نظام الفصل العنصري رسمياً عام ١٩٩٤.
هل تصنيف الزوار عند الباب عشوائي فعلاً أم يستطيعون الاختيار؟
التصنيف عشوائي بالكامل. لا رأي للزائر في البطاقة التي يحصل عليها، وهذا هو جوهر التجربة: أن تعكس كيف كان نظام الفصل العنصري نفسه يجرّد الناس من أي خيار في كيفية تصنيفهم.
هل يبقى الزوار منفصلين طوال الزيارة
لا. يقتصر الفصل على الجزء الأول من الجولة فقط. بعده تُرفع الحواجز ويكمل الجميع المسار معاً، لكن التجربة الأولى تبقى أثراً لا يُنسى.
متحف الفصل العنصري يضع الزائر فعلياً داخل تجربة التمييز، لا يكتفي بشرحها. متى يكون هذا القرار التفسيري قوياً وصادقاً، ومتى يتحول إلى محاكاة سطحية تختزل معاناة حقيقية في "تجربة" عابرة؟
الفارق غالباً في ثلاثة أشياء: المدة، وقابلية التراجع، وصوت من عاش القصة. بطاقة جوهانسبرغ تنجح لأنها قصيرة، وقابلة للتراجع، ومؤطّرة بوضوح كلحظة مصمَّمة، لا كإعادة تمثيل تدّعي أنها تكرر المعاناة الحقيقية. وهي أيضاً جزء من سرد أكبر مبني على شهادات حقيقية ووثائق وأصوات من عاشوا الفصل العنصري فعلاً. يظهر الخطر حين تحل "التجربة" محل الدليل، حين يغادر الزائر متذكراً الحيلة التصميمية لا التاريخ، أو حين يُصنَع الانزعاج لذاته لا ليفتح باباً نحو شيء يشرحه المتحف لاحقاً بالكامل. المعيار العملي: هل تعمّق اللحظة الجسدية انتباه الزائر إلى الشهادات الحقيقية التي تليها، أم تحل محلها؟
في مثالي "الواسع" و"العظيم"، وفي بطاقة جوهانسبرغ، القرار واحد: استبدال التعريف اللغوي بتجربة مكانية أو جسدية. ما المبدأ الذي يجعل بعض المفاهيم المجردة قابلة لهذه الترجمة، بينما تظل مفاهيم أخرى عصية عليها ولا تُنقل إلا باللغة والسرد؟
المفاهيم المرتبطة بالحجم أو العلاقة أو التقييد الجسدي تُترجم بسهولة، لأن الجسد أصلاً يملك طريقة لإدراك "أكبر مما ينبغي" أو "أصغر من أن يُرى" أو "باب أضيق من اللازم". العظمة، الاتساع، الحصار، الفصل، كلها لها نظير جسدي. أما المفاهيم المرتبطة بحالة داخلية أو نية أو حكم أخلاقي، كالذنب أو المغفرة أو الإيمان نفسه، فتقاوم هذا التحويل، لأنه لا يوجد بديل مادي لما يفكر فيه الإنسان أو يختار أن يؤمن به. المهارة الحقيقية للمصمم أن يعرف أي نصف من المفهوم يمكن الشعور به وأي نصف ما زال يحتاج أن يُقرأ، ويبني الاثنين معاً في الزيارة نفسها بدل أن يحمّل أحدهما كل الثقل.